الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
101
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
مثلا قد أخذت الأركان المعروفة في تحقق مفهومها على كل حال وأما سائر الأجزاء فإن وجدت كانت أجزاء لقيام الهيئة حينئذ بالمجموع وإلا لم ينتف الكل بانتفائها لقيام الهيئة حينئذ بالأركان وهذا الوجه قد مال إليه بعض الفضلاء وإن لم يذكر في بيانه ما فصلناه ويضعفه أنه لا فرق بين أركان الصلاة وغيرها من الأجزاء في صدق اسم الصلاة عرفا مع انتفاء كل منها إذا تحققت هناك من الأجزاء ما يصدق معه الاسم والحاصل أن كل واحد من أجزاء الصلاة إذا انتفي وحصل الباقي صدق معه الاسم بحسب العرف قطعا من غير فرق بين الأركان وغيرها فليس هناك أجزاء معينة للصلاة تعتبر هي بخصوصها في تحقق مفهومها فهي بناء على وضعها للأعم موضوعة بإزاء جملة من تلك الأفعال المخصوصة فما يقوم بها الهيئة المعروفة من غير تعيين لخصوص ما يقوم به وقد يكون الحال كذلك في غيرها من العبادات أيضا وكيف كان فينبغي أن يقال حينئذ بكونها أسامي لما يقوم به هيئاتها بحسب العرف مما يصدق معها الاسم سواء اعتبر في حصولها تحقق بعض الأجزاء بخصوصها كما قد يقال في بعض العبادات أولا كما هو الحال في الصّلاة وهذا ثالث الوجوه في المقام ويشكل ذلك أيضا مع بعد الوجه المذكور في نفسه أنه لا معيار حينئذ لتعيين المعنى المراد والرجوع فيه إلى العرف إنما يكون بعد حصول الغلبة والاشتهار وأما قبله فلا يكاد يتعين الموضوع له أو المستعمل فيه بوجه لعدم إمكان الإحالة إلى العرف حينئذ بل لا يكاد يحصل في العرف معنى جامع بينهما بحيث يشمل الصحيح والفاسد عندنا أيضا وسيجيء تتمة الكلام ثم إنك بعد ما عرفت ما قررناه في تعيين المرام تعرف ضعف ما قرره بعض الأفاضل حيث إنه رأى القول بوضع الألفاظ المذكورة للأعم من الصحيح الجامع لجميع الأجزاء والشرائط بحيث يعم صدقه حال انتفاء الجزء أو الشرط مشكلا فقرر النزاع تارة في الأعم بحسب الشرائط دون الأجزاء فجعل مدلول اللفظ على القول المذكور هو المستجمع لجميع الأجزاء من غير اعتبار استجماع الشرائط فهي على هذا معتبرة في الصحة خاصة وحينئذ القائل بالوضع للصحيح والوضع للأعم متوافقان في اعتبار استجماع الأجزاء وإنما التفاوت بينهما في اعتبار الشرائط وأخرى عمم النزاع في الكل ودفع الإشكال المذكور مبني على كلام القوم على العرف وليس كل جزء مما ينتفي الكل بانتفائه عرفا كالرقبة للإنسان ومنها ما لا ينتفي الكل كالإصبع والظفر له لبقاء الكل في العرف مع انتفائها فالصلاة وإن كانت موضوعة للماهية التامة الأجزاء لكن لا يصح سلبها عنها بمجرد النقض في بعض الأجزاء وظاهر الكلام المذكور أنه وإن انتفي الكل حقيقة في حكم العقل بانتفاء ذلك إلا أنه لا ينتفي ذلك بالنظر إلى العرف وهو المناط في مباحث الألفاظ وأنت خبير بأن تخصيص النزاع بالشرائط على خلاف ما هو المعروف بل خلاف ما هو الواقع في المقام ومن الغريب أنه قرر النزاع أولا في الأعم من الجزء والشرط وردها بما يظهر من بعضهم التفصيل بينهما بما ذكره في الوجه الثاني من الوجهين المذكورين وحينئذ فلا وجه لتقريره النزاع على الوجه المذكور وتفسيره قول القائل بالأعم بما ذكره ففي كلامه حينئذ اضطراب لا يخفى على الناظر فيه ثم إن نعد فرض الشيء جزءا ووضع اللفظ لتمام الأجزاء لا بد من انتفاء الكل بانتفاء أيّ جزء منها لقيام الضرورة على انتفاء الكل بانتفاء الجزء والحكم ببقاء الكل عرفا بعد فرض الجزئية إنما هو من باب المسامحة العرفية فلا يناط به الأحكام الشرعية مما قرر في محله وإن فرض كونه جزءا من المسمى لا مأخوذا في التسمية فليس المسمى خصوص ذلك المفروض كذلك حسبما قررناه آنفا فانتفاء ذلك الجزء لا يستلزم انتفاء أصل المسمى عقلا ولا عرفا وهو كلام آخر ويرجع كلامه إلى ذلك إلا أن ظاهر تعبيره بما ذكر يأباه كما لا يخفى [ في بيان أدلة القول بالصحيح . ] المقام الثالث في بيان حجج الأقوال المذكورة أما القول بكونها للصحيحة فيحتج له بوجوه الأول التبادر فإن أسامي العبادات كالصلاة والصيام والزكاة والوضوء والغسل والتيمم وغيرها إذا أطلقت عند المتشرعة انصرفت إلى الصحيحة ألا ترى أنك إذا قلت صليت الصبح أو صمت الجمعة أو توضّأت أو اغتسلت لم ينصرف إلا إلى الصحيح ولا يحمل على الفاسدة إلا بالقرينة كما هو واضح من ملاحظة الإطلاقات المذكورة وذلك من أقوى الأمارات على كونها حقيقة في الأولى مجازا في الثانية ومما يوضح ذلك أن المتشرعة إنما يحكمون بكون الصلاة وغيرها من الألفاظ المذكورة عبارة عن الأمور الراجحة والعبادات المطلوبة لله تعالى ولا يجعلونها أسامي لما يعلم الطاعة والمعصية وقد تكون طاعة وقد تكون معصية بل الأغلب فيها المعصية بل لا يمكن عدها مطلقا من الطاعات أصلا إذ لا يتعلق الأمر حينئذ بما هو مفهوم الصلاة مثلا وإنما يتعلق ببعض أنواعها خاصة وكان هذا بيان الفساد بعد الرجوع إلى عرف المتشرعة إذ لا يعدون الصلاة والزكاة ونحوهما إلا من الطاعات والعبادات وأورد عليه أن تبادر الصحيحة من تلك الألفاظ ممنوع إلا أنه ليس كل تبادر أمارة على الحقيقة بل ما لا يكون لغير اللفظ فيه مدخلية فإن سبق المعنى من اللفظ إذا استند إلى مجرد إطلاقه من غير ملاحظة شيء من الأمور الخارجية معه دل على خصوص الوضع له وأما إذا انضم إليه شيء آخر أو احتمل انضمامه إليه احتمالا متساويا لم يكن دليلا على الحقيقة إذ لا ملازمة حينئذ بين الفهم المذكور والوضع كما مر بيانه ألا ترى أن المتبادر من سائر العقود كالبيع والإجارة والمزارعة والمساقاة وغيرها إذا أطلقت ليس إلا الصحيحة مع أنها موضوعة للأعم فكذا الحال في التبادر الحاصل في ألفاظ العبادات فإن الظاهر أن التبادر الحاصل في المقامين من قبيل واحد والباعث عليه في العقود هو الباعث عليه في العبادات وما يتوهم من أن الأصل في التبادر أن يكون دليلا على الحقيقة إلا أن يدل دليل على خلافه وهو ثابت في المعاملات فنقول بمقتضاه بخلاف ما نحن فيه فمما لا دليل عليه بل ليس الدليل على الوضع إلا التبادر على النحو المذكور بعد تحققه والمعرفة بحصوله ولو على سبيل الظن ودعوى كون الأصل في كل تبادر أن يكون مستندا إلى نفس اللفظ ممنوعة والقول بأصالة عدم ضم شيء آخر إلى اللفظ في حصوله معارض بأصالة عدم استقلال اللفظ في إفادته على أن الأصل لا حجية فيه في هذه المقامات إلا من جهة إفادة الظن دون التعبد ومع حصول الظن لا كلام وإنما الكلام في حصوله في المقام وهو ممنوع إن لم نقل بكون المظنون خلافه كما يشهد به ملاحظة نظائره من المعاملات كما عرفت ويشهد له أيضا أنه لو كان التبادر هنا ناشئا من الوضع لكان ذلك منساقا إلى الذهن في سائر المقامات وليس كذلك ألا ترى أنك إذا قلت رأيت فلانا يصلي أو جماعة يصلون لم يدل ذلك على كون ما وقع صحيحا كيف ولو لم يكن كذلك لصحّ الإخبار بأن زيدا لا يصلي ولا يصوم ولا يغتسل من الجنابة إذا كانت أعماله المذكورة فاسدة ومن الظاهر أنه يحكم بكذب القائل إذا أطلق حينئذ في الإخبار بخلاف ما إذا قيدها بالصحيحة فإذا كانت تلك الألفاظ منساقه إلى خصوص الصحيحة لم يكن فرق بين الإطلاق والتقييد ومن الواضح خلافه وأيضا لو كان الأمر الأول كما ادعي لما صح الإخبار عن أحد بأنه صام أو صلى أو أتى بشيء من العبادات إلا مع العلم بصحة فعله وهو مما لا يمكن عادة ولو تحقق ففي غاية الندرة